ما هي أسباب تأخر الأمة العربية؟

ما هي أسباب تأخر الأمة العربية؟
    لعل السؤال الذي يقض مضجع أي عربي هو: أما من وسيلة تمكننا من التحرك إلى الأمام لمواكبة حركة الأمم المتحضرة؟ إنهم يركضون ركضا بينما نقف نحن عاجزين نكتفي بالتأمل أحيانا وبالتحسر في معظم الأحايين.

    ما من فرد يتصف بقليل من الوعي إلا ويشعر أننا واقفون في مواقعنا التي وصلنا إليها منذ تخلصنا من سيطرة الأجنبي المتمثل في العثمانيين والإنجليز والفرنسيين والإيطاليين. ولعلني لا أبالغ إذا قلت إننا أشبه شيء براكب الأرجوحة يروح إلى الأمام حينا ويرجع إلى الوراء حينا آخر، ذلك هو حالنا قبل ثمانية عقود على وجه التقريب، أما الآن- أو قل قبل ثلاثة عقود- فإننا قد وقفنا في تلك المواقع التي وصلنا إليها أو ربما رجعنا إلى الوراء.
    والسؤال الذي يقض مضاجع الفرد العربي في كل مكان هو: ألا توجد وسيلة تمكننا من أن نتحرك إلى الأمام في أي جانب من جوانب الحياة؟ في حين أن الأمم المتحضرة لا أقول تمشي إلى الأمام وإنما أقول تركض إلى الأمام في معظم جوانب الحياة.
    والذي يتابع ما يصدر من نشاط المثقفين في هذا الخصوص يتجلى له اختلافهم في علاج ما نعانيه من أمراض، أو قل ما نعانيه من قيود منعتنا عن الحركة إلى حد أصبحت فئات كبيرة وقد استولى عليها القنوط فأطلق عليها البعض اسم القدريين بسبب ما يعلنونه من أن هذا قدرنا، ولا مفر من الأقدار وهناك فئة كبيرة أخرى تعتقد بأن سبب هذا التأخر يرجع إلى أن العقلاء ابتعدوا عن نشاطهم لما يرونه من شيوع الخرافات بين الناس حتى أصبحت حقائق تطلق الاتهامات الخطيرة على من يحاول إثبات أنها مستحيلة الوقوع، وإذا تكبل العقل بهذه الأغلال الثقيلة فإن من المستحيل أن تتقدم الأمة لأن العقل هو المصباح المنير الذي يبدد هذه الظلمات التي جعلتنا نحيا في ليل أسود لا نكاد خلاله نبصر راحات أكفنا لشدة الظلام.
    وقد اتفق الباحثون في علم وظائف الأعضاء على أن العضو يفقد كثيرا من قوته بل ربما يفقد قوته حينما يهمل أو يرغم على السكوت ولا يخطئ من يقول إن العقل تعتريه هذه الحالة، ولا يشك أحد في أن لابتعاد الناس عن الأخذ بنصيحة العقل المستنير أثرا كبيرا فيما نعانيه من تأخر. ولكن ما ذكرناه يثير عدة أسئلة منها: لماذا ابتعد العقل حتى صارت الخرافات حقائق؟ وعند التقدم بهذا السؤال يأتيك الجواب: بأن العقلاء المستنيرين استمروا الراحة، لما رأوه من تعرض المستنيرين للاضطهاد وقمع يكاد يفوق الخيال، لأن العامة قد سيطرت على الساحة، ولا تسل عما يحدث لمن يتصدى لمقاومة آراء العامة أو خرافاتهم على الأصح، فقد حدثنا التاريخ بأحاديث كثيرة عما حصل لبعض العلماء، وهي كثيرة نشير منها إلى ذكر ما حدث للإمام الطبري لأنه صنف كتابا لم يعجب بعض حاسديه، فوقفت منه العامة موقفا اضطره إلى أن يمتنع عن الخروج من منزله. ولما توفاه الله لم تشيع له جنازة وإنما دفن خفية في الليل- فيما ذكره بعض المؤرخين- وهو العالم الذي شهد له العلماء والمؤرخون بقدرته ونزاهته.
    كما نشير إلى الفتنة التي حدثت في بغداد في أوائل القرن الرابع للهجرة، حيث سيطرت العامة على الأمور في بغداد فصاروا يكبسون على دور القواد ويعترضون في البيع والشراء، كما يعترضون على الناس في الطرقات مما جعل الأمن مضطربا أشد الاضطراب.
    الاستسلام للخرافة
    على أننا وإن كنا نكبر العقل أعظم الإكبار إلا أن علينا أن ندرك بأن هناك موانع قوية ليس من السهل تخطيها ونعني بها ما تأسس في ثنايا النفس العربية من تراكمات كثيرة نشأت على مر القرون، فقد صدرت كتب مليئة بقصص لا يصدقها العقل المستنير، لكنها أصبحت كالحقائق في عقول الكثيرين مما جعل التصدي لتسفيهها من الأمور الصعبة التي تشبه تسلق الجبال العالية غير المعبدة. فقد شاهدنا ولانزال نشاهد أشخاصا يحملون شهادات رفيعة في الهندسة والصيدلة والطب والقانون.. وما إلى ذلك من المعارف، هؤلاء الناس يشاركون العامة في كثير من عقائدهم الخرافية. وكاتب هذه السطور قد يعذر الصيادلة والمهندسين والأطباء الذين تكمن بعض الخرافات في عقولهم بعض العذر، لأن معارفهم تعتمد على مشاهدات مادية كتكبير المجهر للميكروبات الصغيرة، ومشاهداتهم لما تصوره آلات الأشعة من صور لأحشاء الإنسان، لكن العجب يأتي من بعض المتخصصين في القانون لأننا نعرف جميعا أن معظم مواد القوانين تستمد قواعدها من الواقع والمنطق، فكيف والحالة هذه يعتقد المتخصص في القانون بأمور لا يقبل العقل تصديقها بأي حال من الأحوال؟!
    أليس من المفروض أن يعرض المتخصص في القانون ما يقرؤه أو يسمعه على عقله ليستفتيه فيما وصل إليه؟، ولكن التراكمات التي انغرست في عقله الباطن تجعل إيمانه بالعقل محدودا يكاد يقف عند القضايا التي يطلب منه النظر فيها أو الدفاع عنها. أعني بالتراكمات هنا ما ينغرس في عقله منذ نعومة أظفاره. إذ إن طرائق التربية عندنا تقتصر على أن يسمع الطالب أو الطالبة ما يلقيه المعلم أو المعلمة على الطالب الذي ينبغي أن يؤمن بما يلقى عليه كأنه وحي منزل من السماء، هذا الأسلوب نستعمله في دراستنا من صفوف الروضة حتى المرحلة الجامعية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن معظم فصول الجامعة تسلك هذا الطريق، إذ لا يوجد حوار بين الطالب والمدرس إلا في حالات نادرة، وهذه قضية تحتاج إلى تفصيل لا يحتمله هذا المجال، وإذا أردنا أن نرسم صورة متكاملة لما يغرس في عقول ناشئتنا فإن علينا أن نستعرض مواد كتب المناهج، وهذا ما لا سبيل إليه في هذا المقام، لكن ذلك ربما يفسر ما ذكرته مما نلمس من تناقض في تفكير الكثير منا، فكل الكتاب الذين يعالجون المشاكل الفكرية بصورة عامة يعلنون أن الله فرق بالعقل بين الإنسان والحيوان ولكنهم لا يلبثون أن يغرسوا في العقول قصصا يرفضها العقل أشد الرفض وما عليك إلا أن تقبلها أو ستوصف بأنك مكابر معاند.
    العلمانية تهمة
    وقد كثر استعمال لفظة "العلمانية" هذه الأيام، كتهمة جاهزة لمن يختلف في الرأي مع بعض "حملة القلم" وهي تعني بمفهومهم "الخروج على الدين ومعصية الخالق في شريعته" وهؤلاء الكامنون لكل ذي عقل نير، مستعدون لإلصاقها- مثلا- بمن لا يصدق ما رواه صاحب كتاب "كشف المحجوب": "أنه وجد مكتوبا على جبهة "ذي النون المصري " بعد موته: "هذا حبيب الله، مات في حب الله، قتيل الله "! وعندما سارت جنازته "تجمعت طيور السماء فوقها وألقت أجنحتها على الجنازة لتظللها"! ويروى عن آخر أنه "دخل الأتون وهو موقد وخرج من الباب الآخر، لم يصبه شيء"، على نحو ما يحكى عن سيدنا إبراهيم- عليه السلام-!! ويروى عن أحد الأولياء "أن حماره كان يكلمه، وعن بعضهم أن حماره نفق في بعض الطريق، فصلى ودعا الله أن يبعثه فقام الحمار ينفض أذنيه "!!
    والنكبة أن كثيرا من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تبث هذه القصص في أوقات مختلفة، وكثيرا منها يلقاك بعد طلوع الفجر بقليل ومنها ما يلقاك وأنت مقبل على النوم، وهذا مما يفسد راحة النفس ويعكر صفو العقل، ويكدره فهل تعجب بعد ذلك إذا رأيت المتناقضات تصدر عن أشخاص يفترض فيهم أن يصحبوا عقولهم فيما يصدرونه من أقوال وما يقومون به من أفعال؟! وإذا أضفت إلى ذلك أننا مازلنا نعاني ما قاله أبوالعلاء قبل أكثر من عشرة قرون:
    تلوا باطلا وجلوا صارما
    فقالوا صدقنا، فقلتم نعم
    ويقول:
    ويسمع مني سجع الحمام
    وأسمع منه زئير الأسد
    هذه الصورة التي رسمها أبوالعلاء في هذين البيتين لاتزال ماثلة بقوة في معظم بلادنا العربية. وما أظن أنني في حاجة إلى القول بأن سيطرة الرأي الواحد بالقوة على جميع الآراء تطفئ أنوار الإبداع، وتوقف عجلة التقدم. فالأمم لا يمكن أن تتلاءم مع عصرها إلا إذا تفاعلت مع حضارته وهذا لا يحدث إلا إذا سمح لمختلف الآراء بأن تملأ الساحة الفكرية، وأن يكون الحوار هو الوسيلة التي نتوصل بواسطتها إلى الحقائق.
    وما أظن أن أحدا يجادل في أن القوة هي التي تتحكم في مسيرة حياتنا السياسية والاجتماعية، وأرجو ألا أكون مخطئا إذا اعتقدت بأن تغيرنا إلى الأفضل لا يحدث إلا إذا فسحنا المجال أولا لمختلف الآراء، ورفدنا ذلك بفسح المجال أيضا لمختلف العلماء والباحثين بحيث يستطيعون تطبيق ما اكتسبوه من علم في مختلف الجامعات.
    ومن المؤسف حقا أن عقولا كثيرة وجدت الأبواب مغلقة دونها، أو قل وجدت الكثير من العقبات حينما عاد أصحابها إلى العمل في أوطانهم، الأمر الذي اضطرها إلى الهجرة لتعمل في مختلف البلاد الغربية، لأنها تعطى هناك ما تحتاج إليه من معاملة كريمة بالإضافة إلى ما تحتاج إليه من مختبرات وغيرها، فما من ميدان من ميادين العلوم إلا وتجد فيه أفذاذا من الذين ينتمون إلى مختلف البلاد العربية.
    رعاية العلماء
    إذن فإننا لا يمكن أن نتقدم إلا إذا توافر لنا هذان الأمران، أحدهما الانفتاح على مختلف الآراء فلا يسيطر رأي واحد على كل الآراء.
    والأمر الثاني هو أن نعطي علماءنا كل ما يحتاجون إليه من رعاية تليق بمكانتهم العلمية، ومن تيسير ما يحتاجون إليه ليتمكنوا من تطبيق ما تعلموه ونقوم بربط المجتمع بقاطرة العلم تلك. ولست أجهل ما يكتنف هذه الدعوة من مصاعب كثيرة تكاد تجعل تطبيقها أقرب إلى المستحيل، لكنها خواطر ألحت علي أشد الإلحاح فلم أستطع إلا تدوينها، علها تجد إذا نشرت ولو استجابة بسيطة من المثقفين لنسمع رأيهم فيها، ولا أود أن تفوتني الإشارة إلى ما يتصف به بعض حملة الأقلام من ضعف أمام المغريات المادية حتى أن الأستاذ سيد ياسين قال عنهم في إحدى مقالاته في جريدة الأهرام بتاريخ 28/ 3/ 1994 م بأنهم أصبحوا "سماسرة أفكار، وتجارا يبيعون مهاراتهم البحثية في سوق النخاسة الفكرية، ويتقاضون ثمنا باهظا تحت شعار إذا لم تستطع أن تصنع الثورة فلتراكم الثروة".
    ومما يحز في النفس أن معظم أسماء هؤلاء الكتاب من الشيوع والشهرة بحيث يفترض بأصحابها أن يكونوا من المخلصين لرسالة الفكر التحرري في حين نجدهم يبيعون "قدرتهم على الكلام " في السوق ويقدمون أي شيء يطلب منهم غير مبالين فيما إذا كانت كتاباتهم تخدم أمتهم أم تقوم بتدمير عقول أبنائها.
    إن أمثال هؤلاء لا تهمهم إلا مصلحتهم الذاتية، وما يزيد الطين بلة ويجعل الضرر أكبر أن وسائل الإعلام تقوم بتلقف آرائهم المضللة والمكرسة للجهل.. بل وسرعان ما يتم تحويلها إلى روايات وسيناريوهات ومسرحيات.
    لقد وصف "أبوالعيناء" رحمه الله هذا الصنف من الناس فقال:
    تعس الزمان لقد أتى بعجاب
    ومحا رسوم الظرف والآداب
    وأتى بكتاب لو انطلقت يدي
    فيهم رددتهم إلى الكتاب
    جيل من الأنعام إلا أنهم
    من بينها خلقوا بلا أذناب
    وبعد فإن أسباب تأخرنا كثيرة كثيرة لم أذكر منها إلا القليل.

    إرسال تعليق