الإرهاب التربوي

الإرهاب التربوي


    تسعى السياسات التربوية في أعلب بلدان العالم إلى تجسيد المبدأ الديمقراطي في العمل التربوي، وتتبنى النظريات الحديثة في مجال التربية والتعليم. ومع ذلك مازالت مظاهر العنف تجد مكاناً لها بين جدران المدرسة والمؤسسات التربوية المختلفة، ومازالت وجنات الأطفال توهج تحت تأثير الصفعات، وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصى والمساطر، ناهيك عما يتعرضون له من حملات التوبيخ والشتائم وأبجدية القهر والتهديد في إطار المدرسة والمنزل وعل دروب من شأن ذلك كله أن ينعكس بأفدح الخسائر على مستوى نموهم العقلي والروحي والاجتماعي؟

    مما لا ريب فيه أن العنف التربوي يقود إلى إنتاج الشخصية السلبية التي تعتريها روح الهزيمة والضعف والقصور، ويشكل الإطار العام لعملية تشريط تربوي سلبية تبدأ في إطار الأسرة وتنتهي في أحضان المؤسسات التربوية المختلفة. ومن شأن ذلك إعاقة عملية النمو والتكامل والازدهار في الشخصية الإنسانية وتعريض الأطفال والناشئة لعملية استلاب شاملة تكرس جميع مظاهر القصور والسلبية في الشخصية الإنسانية.
    سنعرض في الجانب الأول من هذه المقالة أهم المظاهر العامة لظاهرة العنف في إطار المدرسة والأسرة. وسنقوم في الجانب الثاني بدراسة الأسباب الاجتماعية والتربوية لهذه الظاهرة. وسنستعرض في الجانب الأخير العنف في العمل التربوي.
    وتجدر الإشارة إلى أننا نعتمد في تحليلنا لظاهرة العنف، بالإضافة إلى المعطيات النظرية، على معطيات وبيانات واقعية ترتكز في معظمها على تجربتنا التربوية المعيشة في الجامعة لدراسة الظاهرة التربوية، التي تشكل إحدى المسائل الأساسية لاهتماماتنا العملية.
    مفهوم متسع
    يتميز مفهوم الإرهاب التربوي بالاتساع والشمولية وذلك بالقياس إلى مفهوم العقوبة التربوية، تشير العقوبة التربوية إلى الفعل السلبي الذي يوقعه المربى على الطفل كالضرب والحرمان والتهديد وذلك بهدف منع الطفل من ممارسة فعالية سلوكية أو تربوية محددة ويمكن أن نميز بين الجوانب التالية في العقوبة التربوية :
    1) مصدر العقوبة كالمعلم والمربى.
    2) نوع العقوبة كالضرب والحرمان والتهديد.
    3) سبب العقوبة كمخالفة الأنظمة والقوانين أو التقصير في أداء الواجبات المدرسية.
    4) غاية العقوبة وقد يتمثل ذلك في إيجاد نوع من السلوك أو نفى لنوع آخر من السلوك.
    5) أثر العقوبة وقد يتمثل ذلك في الألم الجسدي أو النفي عند الطفل موضوع العقوبة ويمثل ذلك في العادة فرد أو مجموعة أفراد كالأطفال التلاميذ والطلاب.
    إن ما نعنيه بالإرهاب التربوي يختلف إلى حد كبير عما نعنيه بالعقوبة التربوية وذلك من حيث الشمولية ودرجة العمق والتأثير. تشكل العقوبة أحد العناصر الأساسية للتشريط الإرهابي، فالإرهاب التربوي يتكون عبر فعاليات تربوية سلبية متعددة تشكل المناخ العام لعملية تفريغ واستلاب نفسيين وبهذا المعنى يمكن القول بأن المواقف والخبرات التربوية المؤلمة التي تضرب جذورها عبر الزمان والمكان في تاريخ الفرد تمثل الشروط الموضوعية لما يسمى الإرهاب التربوي. وبعبارة أخرى يمكن القول إن الإرهاب التربوي يتحقق عبر سلسلة من الخبرات المؤلمة التي يعانيها الطفل عبر سيرته التربوية في إطار الأسرة والمدرسة.
    وبناء على ما تقدم يمكن تعريف الإرهاب التربوي بأنه نسق الفعاليات التربوية والخبرات السلبية كالعقوبات الجسدية والاستهزاء والسخرية وغير ذلك من الإحباطات النفسية والمعنوية التي تشكل المناخ العام لحالة من الخوف والتوتر والقلق التي يعانيها المتربون والتي تستمر عبر الزمن وتؤدى إلى نوع من الإعاقة النفسية والفكرية وإلى حالة من الاستلاب وعدم القدرة على التكيف والمبادرة.
    الإرهاب الأسري
    مازالت أساليب التربية التقليدية تهيمن بشكل واسع في أوساطنا الاجتماعية المختلفة. وهي تتباين بالطبع وفقا لتباين الأوساط الاجتماعية ولتباين مستوى الوعي التربوي والثقافي للفئات الاجتماعية المختلفة ويمكن لنا بالملاحظة البسيطة أن ندرك طابع العنف الذي يهيمن على العلاقات القائمة في إطار الأسرة التقليدية، وفيما يلي سنقوم بتحديد بعض الملامح الأساسية للإرهاب التربوي الذي يسود في أجواء الأسرة والتي تنعكس سلبا على تكوين الأطفال الروحي والعقلي.
    · المنازعات الزوجية والخلافات التي تحدث بين الزوجين في إطار الأسرة والتي تأخذ مظاهرة متعددة تبدأ بالصراخ وتنتهي بالضرب. وفى هذا الخصوص تشير الدراسات النفسية إلى أن مثل ذلك يعتبر أحد الأسباب الرئيسية للأمراض والعقد النفسية التي يعانيها الأطفال.
    · الشجار الذي يحدث بين الإخوة الذين يتبادلون الشتائم والضرب.
    · أساليب التهديد والوعيد التي يمارسها الكبار على الصغار.
    · اعتماد الآباء والأمهات على أسلوب الضرب المباشر للأطفال.
    · الأحكام السلبية المستمرة التي يصدرها الأبوان على الطفل.
    · غالبا ما يقوم الأبوان، وذلك من أجل تكوين نمط من السلوك عند الطفل، بالاعتماد على قصص خيالية مخيفة للطفل، وفى أغلب الأحيان نجد أن رائحة الموت والذبح والحرق بالنار وقطع الأعناق تفوح من هذه القصص التي تمثل في نهاية الأمر نسقا من معايير الإرهاب والتخويف التي تجعل الطفل في حالة من القلق والتوتر الدائمين، ومثل ذلك يؤدى في نهاية الأمر إلى شلل كامل في بنية الطفل الذهبية والعقلية.
    الإرهاب المؤسسي
    هل يستطيع أبناء الجيل الذي ننتمي إليه أن يصوروا معلما دون أدوات التعذيب من عصى وقضبان ومساطر ؟ كم أرجو أن أكون متواضعا حين أقول إننا خرجنا من المدرسة أشلاء نفسية محطمة، فتاريخنا المدرسي يتبدى سيلا عارما من السياط والصفعات التي ألهبت جلودنا وإنسانيتنا، ذلك هو تاريخنا المدرسي، تاريخ إرهاب وقهر وتعذيب.
    أما اليوم فهل نستطيع أن نقول إن عهد السياط قد ولى إلى الأبد في إطار مؤسساتنا التربوية ؟ إلا توجد مظاهر العنف التقليدية في بعض مؤسساتنا التربوية ؟ ألا توجد مخالفات للأنظمة التربوية التي تمنع جميع مظاهر العنف في إطار جميع مظاهر العنف في إطار المؤسسة التربوية ؟ مع الأسف الشديد يمكن لنا أن نؤكد ذلك وفقا لتجربتنا وملاحظاتنا لهذه الظاهرة، وذلك ليس سرا وها هو أحد المعلمين يقول على صفحات إحدى الجرائد الرسمية اليومية : لماذا لا يسمح لنا باستخدام الضرب في المدرسة مع أن ذلك سائد في إطار الأسرة، لماذا يحظر علينا ما هو مباح في الأسرة ؟ ويستطرد ذلك المعلم قائلا : إن طلابنا مشاغبون ولا يمكن لنا أن نتخلى عن أسلوب العنف في التربية المدرسية، وكم يؤسفني أن يترك لمثل هذه الفكرة أن تمر دون تعليق من قبل محرر الصفحة.
    وإذا كانت ممارسة العنف بالطرق التقليدية قد تقلصت حقا إلى حدودها الدنيا فإن التجربة والملاحظة تشيران إلى ممارسة أنماط جديدة من العنف تتمثل في جملة من المواقف التربوية السلبية التي يبديها بعض القائمين على العملية التربوية في إطار المؤسسات التربوية المختلفة وتتجلى هذه المواقف في أساليب الشتائم والكلمات الفظة التي يطلق عنانها في قاعات التدريس والمحاضرات العلمية وعلى مستوى الملاحظات الواقعية لم يتورع بعض المدرسين في ثانويات دمشق ومدراسها عن استخدام كلمات تحقير وتبخيس متناهية الفظاظة ضد طلابهم بحضور بعض المربين وطلاب دبلوم التأهيل التربوي الذين يتابعون تحصيلهم في كلية التربية. هذا غيض من فيض، ويعرف العاملون في هذا الميدان إلى أي حد يمارس بعض المعلمين والمدرسين هذه الأساليب الإرهابية أثناء قيامهم بواجبهم التربوي.
    التربية وسمات المجتمع
    يطبع المجتمع نظامه التربوي بطابعه الخاص، فسمات وملامح نظام تربوي ما تعكس إلى حد كبير سمات وملامح المجتمع الذي يحتويه. إن العلاقة بين النظامين علاقة تتصف بدرجة عليا من التعقيد، فالنظام التربوي السائد هو الأداة التي يكرس فيها المجتمع وجوده ويعيد إنتاج تواصله الثقافي والحضاري. وعلى خلاف ذلك يؤدى النظام التربوي في مراحل تاريخية معينة وظائف التجديد والإبداع كما يقوم بتمثل التغيرات الحضارية والقيم الثقافية الجديدة بما ينسجم والتطلعات الاجتماعية نحو النهوض الحضاري.
    لقد لعب نظامنا التربوي أدوار حضارية متكاملة في ضوء الإنجازات العلمية المتلاحقة والثورات التكنولوجية المتعاقبة. ولكن نظاما تربويا ما مهما بلغت درجة تطوره وفعالياته لا يستطيع أن يزيل دفعة واحدة جميع القيم التقليدية المعيقة لحركة النمو والحضارة العلمية. إن الغاية من هذه المقدمة تهدف إلى القول إن الكثير من المظاهر التربوية المرضية التي نعانيها في المدرسة هي نتاج لموروث وتركة ثقافية متخلفة أملتها ظروف اجتماعية عبر أحقاب تاريخية متعاقبة. ولا بد لنا في هذا السياق أن نذكر بعض المحاور الأساسية لتأثير التركة الثقافية المتخلفة في نظامنا التربوي :
    1) لاتزال قيم التربية الأبوية "الباطريركية" تهيمن على كثير من جوانب حياتنا التربوية في إطار الأسرة والمجتمع.
    2) تتسم بعض العلاقات الاجتماعية القائمة بكونها أيضا علاقات ترتكز على نسق من المعايير الكلاسيكية التقليدية.
    3) لا يوجد المعلم في فراغ وهو في نهاية الأمر ينحدر من وسط اجتماعي أو بيئة اجتماعية تسودها القيم التربوية المغرقة في تخلفها وتقليديتها إذ تتغلب القيم التقليدية على هذه التي درسها وتعلمها في إطار المؤسسات التربوية العليا التي أعد فيها.
    يمكن لنا أن نذكر بعض أهم الأسباب التي لا تزال تشكل المصدر الفعلي لممارسة العنف في إطار المؤسسة التربوية :
    · الخبرات التربوية السابقة لبعض القائمين على العملية التربوية سواء أكان ذلك في إطار الأسرة التي ينتمي إليها المعلم أو في إطار المؤسسة التربوية التي تلقى فيها تعليمه بدءا من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية : إن استخدام العنف في المدرسة يبرر لاحقا للطالب نفسه الذي يصبح معلما فيما بعد شرعية العنف كقيمة تربوية.
    · النقص في مستوى الإعداد التربوي للمعلمين وعلى الخصوص عند المدرسين الذين لم تتح لهم فرصة الدراسة والتحصيل التربوية في إطار مؤسسات تربوية متخصصة في إعداد وتأهيل المعلمين والمدرسين الذين لا توجد لديهم أية أفكار عن النظريات التربوية الحديثة وأساليب التربية.
    · اختزال العملية التربوية في جانبها المعرفي وإهمال الجانب النفسي والتربوي الذي يسعى إلى تحقيق التكامل والنمو والازدهار في شخص الطالب أو التلميذ : ذوو الطلاب كمعلميهم يركزون بالدرجة الأولى على مستو تحصيل الطلاب ولا يوجد هناك اهتمام كبير بالجوانب النفسية والروحية عند الأطفال والناشئة ونحن ندرك ذلك جيدا. والكثير من الآباء لا يتورع عن استخدام أشد أساليب العنف ضد أبنائهم إذا تبين لهم أن ذلك نافع ضمن زيادة مستوى تحصيلهم المدرسي. إن السؤال المحوري المعروف الذي يطرحه الآباء على أبنائهم : "هل نجحت وكم من الدرجات قد نلت "
    · هناك إشكالية ذات طابع اجتماعي معروف تتعلق بطبيعة ما هو قائم في الواقع الاجتماعي على مستوى العملية التربوية : هناك الكثير من المعلمين الذين حاولوا تطبيق المنهج الديموقراطي في العمل التربوي ولكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل وذلك يعود إلى طبيعة ما هو سائد من اعتياد الطلاب على نمط معروف من العلاقة التربوية ووجود نوع من الإكراه المؤسساتى الذي يجعل المعلم نفسه عرضة للسخرية والتهكم حين يحاول تطبيق النظريات الحديثة في أدائه التربوي. لقد دلت الملاحظة وذلك في أعلى المدرسين الشباب يتميزون بدرجة عليا من الحماس للممارسة وتطبيق أحداث النظريات التربوية ولكنهم سرعان ما يتخلون عن أفكارهم. والمدهش في الأمر أن الطلاب أنفسهم كانوا يبدون استجابات سلبية جدا إزاء أكثر الممارسات التربوية ديمقراطية وانفتاحا، وبالطبع فإن رفضه هذا يعود إلى ما كرسته فيهم التربية المدرسية على مدى سنوات طويلة من جوانب سلبية تجعلهم يرفضون أفكار هؤلاء الذين يكرسون أنفسهم لخدمتهم وحمايتهم.
    آثار ونتائج
    إنه لمن الممكن أن نعلم ونتعلم في أي مرحلة من مراحل حياتنا ولكن ما هو متعذر أن نعيد تربية أنفسنا أو الآخرين بعد فوات الأوان. إن التربية هي عملية تفاعل دائمة بين الفرد والبيئة التي يعيش فيها. وتتم صياغة الإنسان وفقا لجملة المؤثرات والخبرات التي يعيشها في إطار بيئته الاجتماعية. وبالتالي فإن نموه وازدهاره مرهونان في نهاية الأمر بمدى ما تتيحه له هذه البيئة من حرية النمو والازدهار.
    وإذا كانت البيئة في نهاية الأمر تشكل التربة التي ينمو ويترعرع فيها الإنسان، فإن الحرية والحنان بمنزلة الشمس والدفء الذي يحيط بالشجر. إن الإكراه والتسلط في العمل التربوي ما هما إلا كالصقيع بالنسبة لأزهار الشجر. إن التربية الديمقراطية تتيح للطفل المناخ الأفضل للنمو والازدهار. وعلى خلاف ذلك فإن العنف من شأنه أن يحقق عملية استلاب شاملة للإنسان. ويمكن لنا أن نحدد باختصار أهم النتائج والآثار التي تتركها التربية العنيفة على شخصية الناشئة والجيل بما يلي :
    · إن الإرهاب يؤدى في نهاية الأمر إلى إنتاج شخصيات إرهابية خائفة تتميز بالعجز والقصور.
    · يؤدى العنف التربوي إلى تكوين الشخصية السلبية وإلى الإحساس بالضعف وعدم المقدرة على تحمل المسئولية.
    · تكوين عقدة الذنب الدائمة.
    · تعطيل طاقات الفعل والإبداع والابتكار في شخص الإنسان.
    · إنتاج الشخصية العصابية الانفعالية.
    · الشخصية الانطوائية.
    · الشخصية المتسلطة.
    لقد أثبتت الدراسات الاجتماعية والتربوية أن النجاح والتفوق الدراسي كانا على الدوام من نصيب الأطفال الذين ينتمون إلى أوساط اجتماعية تتميز بهيمنة العلاقات الديمقراطية. وبينت هذه الدراسات أيضا أن الإبداع والابتكار مرهونان بدرجة الحرية التي تمنح للأطفال في حركتهم وفى تلبية احتياجاتهم. يمكن جوهر الإنسان في حريته وقدرته على التفكير النقدي الفاعل وبالتالي فإن التربية المتسلطة من شأنها تفريغ الإنسان من محتواه واستلاب جوهره الإنساني وقتل طاقة التفكير المبدع لديه، وحرمانه من هامش الحرية الضروري لتفتح شخصيته الإنسانية

    إرسال تعليق

    ----------